المقريزي
194
إمتاع الأسماع
يريد من هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر القفيز والدرهم قبل أن يضعه عمر - رضي الله تبارك وتعالى عنه - على الأرض ( 1 ) . وقال ( أبو عبيد ) الهروي ( 2 ) في هذا الحديث : قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما لم يكن ، وهو في علم الله - تعالى - كائن ، فخرج لفظه على لفظ الماضي ، لأنه ماض في علم الله عز وجل ، وفي إعلامه بهذا قبل وقوعه ما دل على إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم ودل على رضاه من عمر - رضي الله تبارك وتعالى عنه - ، ووظفه على الكفرة من الجزية في الأمصار . وفي تفسير المنع وجهان : أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنهم سيسلمون وسيسقط عنهم ما وظف عليهم بإسلامهم فصاروا مانعين بإسلامهم ما وظف عليهم بإسلامهم ، والدليل على ذلك قوله في الحديث : " وعدتم من حيث بدأتم " لأنه بدأهم في علم الله وفيما قدر وفيما قضى أنهم سيسلمون فعادوا من حيث بدأوا . وقيل في قوله صلى الله عليه وسلم : منعت العراق درهمها " أنهم يرجعون عن الطاعة ، وهذا يعني أن العجم والروم يستولون على البلاد في آخر الزمان فيمنعون حصول ذلك للمسلمين . ( وهذا وجه ، والأول أحسن ) ( 3 ) . قال البيهقي : وتفسيره ، فذكر ما خرجه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم ، عن الجريري ، عن أبي نضرة قال : كنا عند جابر بن عبد الله - رضي الله تبارك وتعالى عنه - فقال : يوشك أهل العراق لا يجني إليهم درهم ولا قفيز ، قالوا : مما ذاك يا أبا عبد الله ؟ قال : من قبل العجم يمنعون
--> ( 1 ) ( دلائل البيهقي ) : 6 / 329 . ( 2 ) أبو عبيد الهروي ، هو أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي ، الأزدي ، ( 154 - 224 ه ) ، طلب العلم وسمع الحديث ، ونظر في الفقه والأدب ، واشتغل بالحديث ، والفقه ، والأدب ، والقراءات ، وأصناف علوم الإسلام ، وكان دينا ، ورعا حسن الرواية ، صحيح النقل ، أخذ من أكابر علماء عصره أمثال : أبي زيد الأنصاري ، وأبي عبيدة معمر بن المثنى ، والأصمعي ، وروي عن ابن الأعرابي ، والفراء ، والكسائي ، ومؤلفه في ( غريب الحديث ) أول من سبق إليه ، وصار كتابه إماما لأهل الحديث . ( 3 ) زيادة للسياق من ( المرجع السابق ) . ( 4 ) ( المرجع السابق ) : 6 / 330 .